محمد بن جرير الطبري
619
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الفرات ودجلة ، ويصلح ان تبتنى فيه مدينه ، فقال للراهب الذي في الدير : يا راهب ، أريد ان ابني هاهنا مدينه ، فقال : لا يكون ، انما يبنى هاهنا ملك يقال له أبو الدوانيق ، فضحك المنصور في نفسه ، وقال : أنا أبو الدوانيق . وامر فخطت المدينة ، ووكل بها أربعة قواد ، كل قائد بربع . وذكر عن سليمان بن مجالد ، ان المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء ، فامتنع من ذلك ، فحلف المنصور ان يتولى له ، وحلف أبو حنيفة الا يفعل ، فولاه القيام ببناء المدينة وضرب اللبن وعده ، وأخذ الرجال بالعمل قال : وانما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه ، قال : وكان أبو حنيفة المتولى لذلك ، حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة مما يلي الخندق ، وكان استتمامه في سنه تسع وأربعين ومائه . وذكر عن الهيثم بن عدي ، ان المنصور عرض على أبى حنيفة القضاء والمظالم فامتنع ، فحلف الا يقلع عنه حتى يعمل ، فأخبر بذلك أبو حنيفة ، فدعا بقصبه ، فعد اللبن على رجل قد لبنه ، وكان أبو حنيفة أول من عد اللبن بالقصب ، فأخرج أبا جعفر عن يمينه ، واعتل فمات ببغداد . وقيل : ان أبا جعفر لما امر بحفر الخندق وإنشاء البناء واحكام الأساس ، امر ان يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا ، وقدر أعلاه عشرين ذراعا ، وجعل في البناء جوائز قصب مكان الخشب ، في كل طرقه ، فلما بلغ الحائط مقدار قامه - وذلك في سنه خمس وأربعين ومائه - أتاه خبر خروج محمد فقطع البناء . وذكر عن أحمد بن حميد بن جبله ، قال : حدثني أبى ، عن جدي جبله ، قال : كانت مدينه أبى جعفر قبل بنائها مزرعه للبغداديين ، يقال لها المباركة ، وكانت لستين نفسا منهم ، فعوضهم منها وارضاهم ، فاخذ جدي قسمه منها . وذكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور ، ان حمادا التركي قال : كان حول مدينه أبى جعفر قرى قبل بنائها ، فكان إلى جانب باب الشام قريه